
بنتي اللي عندها 5 سنين حطت ودنها على أرضية بيت أختي الجديد وقعدت تعيط وهي بتقول: “أخويا بيعيط تحت يا بابا”. ولأني عارف إن بنتي “مكشوف عنها الحجاب”، كسـ,ـرت السيراميك وخلعت خشب الأرضية.. ولقيت ابني، اللي مفقود من سنة كاملة، مـ,ربوط بسلاسل تحت البلاط!
أنا طول عمري مؤمن إن الدنيا ماشية بمنطق.. يعني ورق تأمين، أقساط، صور عدادات، إمضاءات على بياض. عالم تقدر تقيسه وتأرشفه في ملفات. قبل ما “ياسين” يختـ,ـفي، كانت أغرب حاجة حصلت في حياتي هي طـ,ـلاقي.. موضوع بايخ بس عادي، بيحصل لآلاف المصريين كل يوم. بعدين ابني فص ملح وذاب، ومبقتش فاهم حاجة.. لا بوليس نفع، ولا حملات تدوير، ولا حتى دعواتي، ولا السـ,ـرير الفاضي اللي مكنتش هاين عليا أشيله من الأوضة.
-
احدث ضهور لنور زوجة الوليد مقدادمنذ أسبوع واحد
-
ظهرَت بأطفاله الثلاثة وسط زفافه الأسطوريمنذ أسبوعين
بس مفيش حاجة – حرفياً مفيش حاجة – جهزتني للحظة اللي لقيته فيها تحت أرضية بيت أختي “نورا” الجديد “لانج”.
أول ما خلعت أول لوح خشب وهجمت في وشي ريحة “كمكمة” وتراب، العالم اللي كنت عارفه وقع زي القناع من على الوش. كشاف الموبايل شق الضلمة وإيدي بتترعش.. في الأول مشوفتش
غير طينة وعفرة وحتة أرض مش متساوية.
بعدين.. فيه خيال اتحرك.
جسم صغير.
وش أحفظه أكتر من وشي أنا شخصياً.
ياسين!
بربش بعينه من كتر النور، جفونه كانت بتتحرك كأنه صاحي من كابوس وداخل في واقع أوسخ منه مية مرة. عضم وشه بارز، شـ,ـفايفه مشققة، شعره طول عن آخر مرة شفته فيها.. ملبد ومطفي ومزجق في قورته. كان فيه “كلبش” حديد حوالين معصمه الرفيع، والسلسلة مربوطة بمسمار صلب في عرق خشب من بتوع السقف. رجله الحافية كانت سودة من كتر الطينة.
همس بصوت يدوب طالع بالعافية: “بابا..”.
زوري اتخنق.. جسـ,ـمي اتجمد.. مكنتش حاسس بنفسي وأنا بتنفس أصلاً.
أختي “نورا” كانت واقفة ورايا وبتهته برعـ,ـب: “يا نهار أسود.. يا نهار أسود.. يا وائل، هو ده؟ هو بجد؟”
مقدرتش أرد.. مقدرتش أفكر.. مكنتش شايف غير ابني – حبيبي اللي كان بيمـ,ـوت في الديناصورات ولعبه – عايش ومسجون تحت صالة بيت أختي!
بنتي الصغيرة “ليلي” مسـ,ـكت في دراعي وقالت بصوت بيرتعش: “شوفت يا بابا؟ مش قلتلك..”.
مرفتش هي حست بإيه ولا إزاي.. مكنش فارقلي. بدأت أكسر في الخشب بإيدي وأرميه
يمين وشمال، والشـ,ـظايا جـ,ـرحت كفوفي ودمتني. أختي جريت تكلم النجدة وصوتها كان منهار. “ليلي” فضلت واقفة جنبي بترتعش بس مـ,ـرضيتش تغمض عينيها.
قلت بصوت مخنوق وأنا بوسع الفتحة: “ياسين.. يا بطل، أنا هنا.. أنا جنبك يا حبيبي.”
عينيه اتملت دمـ,ـوع.. دمـ,ـوع ساكتة وتعـ,ـبانة رسمت خطوط في وسط الطينة اللي على وشه. جـ,ـسمه كله استرخى من كتر الراحة والرعـ,ـب في وقت واحد.
اترجي بخـ,ـوف: “بابا.. متمشيش.”
رديت عليه: “مش هتحرك من هنا.”
نزلت تحت في الفراغ اللي تحت الأرضية – يدوب ياخدني وأنا قاعد – كتافي كانت بتحك في العروق الخشب وأنا بزحف ناحيته. الطينة الساقعة غرقت بنطلوني الجينز. ريحة التراب المبلول مع صدى الحديد والعرق المكتوم كانت تخنق. كل غريزة جوايا كانت بتصرخ.. ابني كان هنا! مش ساعة ولا اتنين.. ولا بالصدفة.. ده بقاله شهور!
فيه حد ربطه هنا بالسلاسل!
كل ثانية بتعدي كانت كأني ماشي في خرسانة، الرعـ,ـب شل حركتي. وصلتله ومسكت وشه بين إيدي، صوابعي كانت بتترعش على جلده الوسخ.
قلتله وصوتي طالع مشروخ: “خلاص يا حبيبي.. أنا معاك.. أنا
معاك دلوقتى.”
صدره كان بيترج من كتر العياط المكتوم. حاول يترمي في حـ,ـضني بس “نتر” لما السلسلة شدت دراعه.
قلتله: “هفك البتاعة دي حالاً.”
السلسلة كانت مربوطة بمسمار ضخم. الكلبش كان ضيق.. ضيق زيادة عن اللزوم.. الجلد تحت الحديد كان أحمر ومهري وفيه فقاقيع دم. فيه نار ولعت جوايا.. غل مش عارف أوجهه لمين. مين اللي عمل كدة؟ مين اللي جابه هنا؟ وليه؟ وإزاي أختي مخدتش بالها إن فيه روح تحت بيتها؟
صوت سرينة البوليس بدأ يعلى في المنطقة.
أختي نورا ندهت من فوق: “يا وائل! وصلوا! البوليس وصل!”
زعـ,ـقت فيها: “قوليلهم يخلصوا! الولد مربوط بسلاسل!”
ياسين اتنفض من الصوت. خدته وبدأت أداريه بجسمي كأني بحميه من الهوا اللي حوالينا.
همس تاني بصوت يدوب مسموع: “بابا.. أبـ,ـوس إيدك.. متخليهومش يرجعوني تاني..”
الجملة اللي ياسين قالها: “متخليهومش يرجعوني تاني”، نزلت عليا زي الصاعقة. يرجعوك فين؟ ومين اللي جابك هنا؟ البوليس اقتـ,ـحم البيت، و”نورا” أختي كانت واقفة بتترعش ومنهارة تماماً. دخلوا الظباط ومعاهم العدة وقصوا السلسلة اللي
كانت واكلة من لحـ,ـم معصم ياسين.
أول ما السلسلة اتقصت، شيلته وخرجت بيه من تحت الأرض. كان خفيف.. خفيف زيادة عن اللزوم، كأني شايل ريشة، مش طفل عنده 7 سنين. المسعفين خدوه مني بسرعة وركبوا له محاليل وطلعوا بيه على المستشفى، وأنا كنت زي المـ,ـجنون مش عايز أسيب إيده.
نورا أختي كانت بـ,ـتبكي بحـ,ـرقة وبتقول للظابط: “والله ما كنت أعرف! أنا لسه شارية البيت ده من شهرين بعفشه وبكل حاجة فيه! والله ما دخلت الأوضة دي غير عشان أصلح السباكة!”
بس أنا مكنتش سامعها.. مكنتش سامع غير صوت “ليلي” بنتي الصغيرة وهي بتقول بهدوء غريب يرعـ,ـب: “الراجل اللي كان بيأكله مشي يا بابا.. مشي لما إحنا جينا.”
الفصل الثالث: المستشفى والحقيقة المرة
في المستشفى، الدكاترة قالوا إن ياسين عنده جفاف حاد وسوء تغذية، بس الصدمة الكبيرة كانت في “التقرير النفسي”. الولد مكنش بيتكلم، مكنش بيثق في حد غيري، وكان بيترعش كل ما باب الأوضة يتفتح.
قعدت







