
أحمد جري ورايا في الشارع، والناس بدأت تبص علينا. مسك دراعي وهو بينهج، وعينيه حمرا من الدموع:
“نور.. استني بس عشان خاطر ابننا! أنا عارف إني غلطت، وعارف إني جيت عليكي، بس والله كانت شديدة.. أمي ست كبيرة ومريضة ومكنتش متخيل إن رشا تعمل كدة!”
-
تركت زوجة الابمنذ ساعتين
-
مراتي كانت بتشتغل حكايات بسمهمنذ ساعتين
-
من 25 سنهمنذ 6 ساعات
-
ابويا قلي غيري باسورداتك حكايات صافي هانيمنذ يوم واحد
وقفت في وسط الرصيف، وبصيت لإيده اللي ماسكة دراعي لحد ما سابها لوحده.
“ابننا؟ إنت افتكرت إن عندك ابن دلوقتي يا أحمد؟ لما أمك كانت بتقلب شنطة هدومه وبتفتش الببرونة بتاعته كأني مخبية فيها الفلوس، كنت فين؟ لما اتقال لمرأتك يا حرامية قدام عينك ولمحت لي إني ممكن أكون أخدتهم، كنت فين؟”
”يا نور أنا كنت خايف على بيتنا..”
“لأ، إنت كنت خايف من أمك! إنت متجوزتنيش عشان تفتح بيت، إنت اتجوزتني عشان تجيب لأمك شغالّة بمرتبة زوجة.. تخدم، وتتهان، وتتثبت عليها التهمة، وفي الآخر تطلع هي الغلطانة.”
في اللحظة دي، طلعت الحاجة زينب من باب القسم، كانت سانده على عكازها وبتجر رجلها، ووشها في الأرض مش قادرة ترفع عينها في عيني. أول ما شافتني، حاولت تبان قوية وصوتها طلع مخنوق:
“خلاص يا أحمد، سيبها .. .. بنتي غلطت وأنا هحاسبها، لكن الغريب يفضل غريب.”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة وجع ممزوجة بسخرية هزت الشارع:
“الغريب؟ فعلاً يا حاجة زينب.. الغريب هو اللي صانك وتعب في خدمتك تلات سنين، والقريب هو اللي سرق شقاكي وفلوسك اللي حشاهم في البنك! مبروك عليكي بنتك، ومبروك عليكي الـ 50 ألف.”
بصيت لأحمد للمرة الأخيرة، مكنش فيه في قلبي ليه غير برود تام.
“الولد معايا يا أحمد، لو عايز تشوفه، المحاكم موجودة.. لكن رجوع للبيت ده مش هيرجع، والشنطة اللي أمك قلبتها على السفرة، مش هتدخل باب شقتك تاني.”
شاورت لتاكسي كان معدي، فتحت الباب وركبت وقفلته بكل قوتي. أحمد فضل يخبط على الإزاز وهو بيصرخ وبيردد اسمي، وأمه بتشده من قميصه وتقوله “سيبها في داهية”.
التاكسي طلع، وبدأت ملامحهم تبعد في المراية لحد ما اختفوا تماماً. حطيت إيدي على وشي وبكيت.. بكيت على السنين اللي ضاعت، وعلى كرامتي اللي اتهدرت، بس المرة دي دموعي كانت دموع غسيل ونضافة.. دموع البداية الجديدة اللي هبنيها لنفسي ولابني، بعيد عن أي خط أحمر ممكن حد يفكر يدوس عليه تاني.
……..
التاكسي كان بيجري بيا في شوارع وسط البلد، الزحمة والصوت العالي حواليا كانوا بيحسسوني إني بفوأ من طويل. طلعت تليفوني واتصلت بأبويا. أول ما سمع صوته قالي: “مالك يا نور؟ صوتك ماله يا بنتي؟”
دموعي نزلت غصب عني بس صجعت نفسي وقلتله: “أنا جاية لك يا بابا.. جاية لك ومعايا ابن المرة دي مش راجعة لهناك تاني.”
ساعتين زمن كنت في بيت أهلي. أمي أول ما شافتني خدتني في والولد نايم على كتفي. حكيت لهم كل حاجة من طققطق للسلام عليكم. أبويا كان بيسمع وهو بيجز على سنانه، وعينيه مليانة غضب: “بنتي أنا يتقال عليها حرامية؟ وتتفتش شنطتها؟ والله ما هسيب حقك يا نور، والجدع ده ملوش قعاد معاكي ثانية واحدة.”
تاني يوم الصبح، الباب خبط. كان أحمد.
وشه كان متبهدل، ودقنه طلعت، والندم باين في كل تفصيلة في ملامحه. أبويا وقف على الباب ومنعه يدخل. أحمد صوت كان واطي ومكسور: “يا عمي أنا جاي لمراتي وابني، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان نور تسامحني.. أنا طردت رشا أختي من البيت، ومقاطع أمي ومش هروح هناك تاني، بس نور ترجع معايا.”
أبويا بص له بقرف وقال له: “طردت أختك وقاطعت أمك بعد إيه؟ بعد ما كرامة بنتي بقت في الأرض؟ إنت مقاطعتهمش عشان حق نور، إنت قاطعتهم عشان قدام البوليس! بنتي مش هترجع لك يا أحمد، واليوم اللي فتشتوا فيه شنطتها، فتشتوا فيه رجولتك وملقيتش منها حاجة.”
أنا طلعت وقفت ورا أبويا، وبصيت لأحمد ببرود تام: “يا أحمد، إنت مكنش عندك الشجاعة تصدقني وأنا بحلف لك، وصدقت الورقة الكاميرات لما كشفت الحقيقة. إنت مبتحبنيش، إنت كنت بتحب الست اللي بتستحمل وتخدم وتسكت. الست دي خلاص.”
”عشان خاطر ابننا يا نور! هيتربى بعيد عن أبوه؟” أحمد قالها وهو بيبكي بانهيار.
”ابننا هيتربى في بيت يعرف يعني إيه كرامة ويعني إيه أصول.. مش هيتربى يشوف أمه بتهان وبتتسرق من أقرب الناس ليها.. ورقتي توصلي يا أحمد، وإلا هرفع .”
قفلنا الباب في وشه، وحسيت إن جبل انزاح من على صدري. بعد شهرين، قض..ية الطلاق خلصت، ورجعت لشغلي في دار النشر بمرتب محترم يخليني أوقف على رجلي.
كل ما بفتكر اليوم ده، بحمد ربنا إن الـ 50 ألف جنيه دول كانوا التمن اللي دفعته عشان أشتري بيه حريتي ونفسي، وأعرف إن فيه خطوط حمراء في الحياة، اللي يرضى حد يدوس عليها مرة.. هيدوس عليها العمر كله.
……..
عدت سنة كاملة على اليوم ده. سنة بحالها اتغيرت فيها حياتي 180 درجة.
في الأول، الموضوع مكنش سهل، نظرات الناس، ومحاولات أحمد اللي مكنتش بتهدى.. كان بيقف تحت البيت بالساعات، ويبعت الرسايل اللي كلها عياط وندم، وسايط من قرايبه وأصحابه عشان يرجعوني، بس قلبي كان زي الحجر. اللي يتكسر من بره يتصلح، بس اللي يتكسر من جوه ملوش علاج.
عرفت من برة برة إن “الحاجة زينب” جالها جلطة خفيفة من ، ورشا أختها جوزها طلقها في المنطقة لما عرف إنها سرقت أمها، والبيت اللي كان دايماً قايد المشاكل انطفى ومبقاش فيه غير السيرة الشينة. أحمد نفسه ساب الشغلانة اللي كانت كلها سفريات، ومبقاش وراه غير إنه يدور على طرف خيط يوصله ليا، بس أنا كنت قفلت كل الأبواب.
في يوم، كنت قاعدة في مكتبة دار النشر اللي بقيت مديرة قسم التوزيع فيها، وماسكة كباية القهوة وببص على ابني “ياسين” وهو بيلعب بالمكعبات على السجادة قدامي. كان كبر شوية، وبقت ملامحه شبهي، والضحكة مش بتفارق وشه.. مرتاح، مش بيسمع زعيق، ولا بيشوف أمه بتعيط في الضلمة.
الباب خبط، ودخل أبويا. بص لي وابتسم وقال لي: “أحمد برة يا نور.. جايب نفقة الولد ومصاريف المدرسة، وطالب يشوفه ربع ساعة بس تحت عيني.. هترضي؟”
أخدت نفس عميق، وبصيت لياسين. وقلت لأبويا: “خليه يدخل يا بابا.. أنا مش هحرمه من ابنه، بس يدخل هنا.. كـ ضيف.”
دخل أحمد. مكنش هو أحمد بتاع زمان.. الوش المنور والبدلة الشيك والكرافتة الغالية اختفوا. كان دبلان، وعينيه فيها انكسار يدوب الحجر. أول ما شاف ياسين، دموعه نزلت وجري عليه وأخده في وفضل في إيده ورأسه. ياسين كان مستغرب، بس أحمد كان .
قام وقف وبص لي من بعيد، مكنش قادر يقرب خطوة واحدة ناحيتي. قال بصوت مبحوح: “الحمد لله إنك بقيتي في مكان أحسن يا نور.. أنا كنت أعمى، ودلوقتي بندم على كل ثانية ضيعتها وأنا مش شايف قمتك.”
هزيت رأسي بهدوء وقلت له: “خلاص يا أحمد.. الندم ملوش لازمة دلوقتي. المهم إنك تكون اتعلمت الدرس.. إن البيت مبيتبنيش على حساب كرامة الست، وإن الأم والـمال يعوضهم ربنا، إنما النفس لو اتكسرت ملهاش تمن.”
بص للأرض، ومسح دموعه، وأخد بعضه وخرج بعد ما ساب الظرف على الترابيزة.
قعدت على كرسيّ، وأخدت ابني في . وبصيت للسما من الشباك.. حسيت فجأة إن الـ 50 ألف جنيه دول مكنوش مصيبة، دول كانوا “فدية” ربنا بعتها عشان ينقذني وينقذ ابني من عيشة كانت هتطلع جيل مكسور. أنا “نور”، والنهاردة وبس، قدرت أقول إن اسمي بقا على مسمى، وحياتي نورت بجد.
تمت








