عام

ســر تحـت شجـرة الجـوافة ج 1 حكـايات منـي السـيد

3

سـر تحـت شجـرة الجـوافة ج 2 حكايات مني السيد

الفصل الثالث

أول ما دخلت مكتب المديرة، قلبي اتقىبض.

عمر كان قاعد على كرسي صغير في الركن، راسه في الأرض وعينيه منفوخين من كتر العياط.

أول ما شافني جري عليا ورمى نفسه في حىضني.

— تيتا…

حىضنته جامد.

— مالك يا حبيبي؟ إيه اللي حصل؟

لكن قبل ما يرد، المديرة قالت بهدوء:

— اتفضلي اقعدي يا حاجة أمينة.

قعدت وأنا ماسكة إيد عمر.

المديرة فتحت ملف قدامها وقالت:

— عمر النهاردة ضرب زميله في الفصل.

بصيت للولد بدهشة.

— عمر؟

— أيوة.

عمر عمره ما مد إيده على حد.

كان من أهدى الأطفال اللي أعرفهم.

المديرة كملت:

— الولد اللي اتخانق معاه قاله كلام ضايقه جدًا.

لفيت ناحية عمر.

— قالك إيه؟

بدأت شفايفه ترتعش.

وسكت.

وبعدين دموعه نزلت تاني.

— قال إن تيتا شحاتة…

حسيت كأن حد ضىربني على صدري.

المديرة بصتله بحزن.

لكن عمر كمل وهو بيعيط:

— وقال إن ماما قالت لمامته إن تيتا قاعدة عندنا عشان معندهاش فلوس ومحدش عايزها.

ساعتها فهمت كل حاجة.

الكلام اللي نجلاء كانت بتقوله في كل حتة وصل للأطفال كمان.

والولد الصغير بقى بيتعاير بيه في المدرسة.

عمر كمل بصوت متقطع:

— ولما قال إنك حمل علينا… زقيته.

حىضنته أكتر.

وكنت بالعافية ماسكة دموعي.

المديرة قالت:

— بصراحة أنا شايفة إن عمر طفل محترم جدًا، ودي أول مشكلة تحصل منه.

هزيت راسي.

— وهو عمره ما عمل كده قبل كده.

بعد شوية خرجنا من المدرسة.

وفي الطريق، عمر كان ساكت.

لحد ما فجأة سألني:

— تيتا؟

— نعم يا قلب تيتا.

— إنتِ فقيرة؟

سؤاله وجعني أكتر من أي حاجة.

ابتسمت بالعافية.

— لا يا حبيبي.

— أمال ليه ماما بتقول كده؟

سكت ثواني.

وبعدين قلت:

— في ناس بتفتكر إن قيمة الإنسان بفلوسه.

بس ربنا بيبص للقلوب.

فضل يفكر شوية.

وبعدين قال:

— أنا بحبك حتى لو معندكيش جنيه واحد.

دموعي نزلت غصب عني.

ومسحتها بسرعة عشان ما يشوفنيش.

رجعنا البيت بدري.

وأول ما دخلنا، لقيت نجلاء قاعدة في الصالون.

أول ما شافتنا قامت.

— إيه اللي حصل؟

رديت بهدوء:

— عمر اتخانق في المدرسة.

اتخضت.

— ليه؟

بصلها عمر مباشرة.

وقال:

— عشان الولد قال إن تيتا شحاتة.

اللون اتغير من وشها.

لكن بسرعة حاولت تتماسك.

— وأنت تضربه؟

— عشان إنتِ اللي قولتي كده.

ساعتها اتوترت.

وبدأت تبص يمين وشمال.

— أنا؟!

— سمعتك.

الصمت نزل على المكان كله.

في اللحظة دي دخل أحمد.

وكان واضح إنه راجع من الشغل.

بص علينا باستغراب.

— في إيه؟

عمر جري عليه.

وحكى كل حاجة.

كل كلمة.

كل تفصيلة.

وأنا كنت واقفة أراقب.

أول مرة أشوف أحمد مش عارف يرد.

بص لمراته.

وبعدين بص لابنه.

وأخيرًا بصلي.

لكن كالعادة…

سكت.

الصمت بتاعه بقى أسوأ من الكلام.

دخل أوضته من غير ما يقول حاجة.

أما نجلاء فدخلت وراه وهي متعصبة.

بعد نص ساعة سمعت صوت خىناقة جديدة.

أعلى من كل مرة.

— ابنك بقى يرد عليا!

— لأنك غلطتي يا نجلاء.

— أنا غلطت؟!

— مينفعش تقولي على أمي الكلام ده.

أول مرة أسمعه يعترض.

لكن فرحتي ما كملتش.

لأن بعدها مباشرة قال:

— بس الموضوع مش مستاهل نكبره.

كالعادة.

نص موقف.

ونص دفاع.

ونص رجولة.

أما النصف التاني فكان ضايع.

في الليل، وأنا قاعدة في أوىضتي، لقيت عمر بيخبط.

دخل وقفل الباب.

وكان ماسك حصالة صغيرة.

الحصالة اللي بيجمع فيها مصروفه.

حطها قدامي.

— خدي.

استغربت.

— إيه ده؟

— الفلوس بتاعتي.

ضحكت.

— ليه؟

— عشان لو محتاجة فلوس.

ساعتها مقدرتش أمسك نفسي.

حضنته وفضلت أعيط.

يمكن لأول مرة من شهور أحس إن حد حاسس بيا.

حتى لو طفل عنده سبع سنين.

بعدها بأيام بدأت ألاحظ حاجة غريبة.

نجلاء بقت مهتمة بالجنينة بشكل مبالغ فيه.

كل يوم تنزل.

تقيس.

وتصور.

وتكلم ناس.

وفي يوم سمعتها بتقول في التليفون:

— الحفار هييجي الأسبوع الجاي.

الحفار.

الكلمة خلتني أنتبه.

رجعت أوىضتي وأنا بفكر.

واضح إن موضوع إزالة الشجرة بقى قريب جدًا.

لكن الحمد لله.

الصندوق ما بقاش تحتها.

في نفس الأسبوع، الأستاذ شريف المحامي كلمني.

— محتاج أشوفك ضروري.

روحتله تاني.

أول ما دخلت لقيته مجهز ملف كبير.

— فيه حاجة لازم تعرفيها.

قلبي دق بسرعة.

— خير؟

فتح الملف.

— ابنك عليه ديون.

اتجمدت مكاني.

— إيه؟

— ديون كبيرة.

— مستحيل.

— للأسف حقيقية.

طلع أوراق قدامي.

قروض.

وأقساط.

وكروت ائتمان.

وأوراق موقعة باسمه.

أرقام كبيرة جدًا.

أكبر مما كنت أتخيل.

حسيت بدوخة.

— أحمد عمره ما كان مسرف.

هز راسه.

— غالبًا المصاريف زادت جدًا في آخر سنتين.

افتكرت شنط نجلاء.

والسفر.

والمشتريات.

وكل حاجة.

وفجأة الصورة بدأت تكتمل.

يمكن عشان كده كانت عايزة تبيع البيت.

مش رفاهية.

دي كانت غرقانة في مشاكل مالية.

رجعت البيت ودماغي مليانة أسئلة.

وفي نفس الليلة، وأنا رايحة أشرب مية، سمعت صوت جاي من الصالون.

وقفت.

كان أحمد ونجلاء بيتكلموا.

— البنك بعت إنذار أخير.

قالها أحمد بصوت مكسور.

نجلاء ردت بعصبية:

— وأنا أعمل إيه؟

— لازم نلاقي حل.

— قولتلك نبيع البيت.

— البيت مش باسمي.

الصمت نزل فجأة.

وقفت مكاني.

واضح إنه أخيرًا عرف الحقيقة.

نجلاء اتكلمت بعد ثواني:

— يعني إيه؟

— البيت باسم أمي.

— إيه؟!

— لسه باسمها من يوم ما اشترته.

اتحول صوتها لصريخ.

— وإنت ساكت كل السنين دي؟

— كنت فاكر إنها هتنقله باسمي.

— وإيه اللي يضمن إنها تعمله دلوقتي؟

سكت أحمد.

أما أنا ففضلت واقفة برا الباب.

أسمع.

وأفهم.

وأول مرة أشوف الحقيقة كاملة.

مش بس نجلاء هي المشكلة.

أحمد كمان اختار الراحة.

اختار السكوت.

اختار إنه يسيب الأمور تكبر لحد ما خرجت من إيده.

في اليوم التالي، حصلت المفاجأة.

رجعت من صلاة العصر.

لقيت عربية فخمة واقفة قدام البيت.

ورجل ومراته قاعدين جوه الصالون مع نجلاء.

أول ما دخلت سكتوا.

لكنني سمعت الجملة الأخيرة.

— البيت مناسب جدًا فعلًا.

وقفت مكاني.

وبصيت لنجلاء.

هي كمان اتوترت.

قلت بهدوء:

— مين الضيوف؟

ردت بسرعة:

— ناس أصحابنا.

لكن الراجل رد قبلها.

— إحنا جايين نشوف البيت.

اتجمد المكان كله.

وأنا بصيت لنجلاء.

هي حاولت تبتسم.

لكن ارتباكها كان واضح.

— أصل كنا بنفكر لو حبينا نبيع في المستقبل.

فهمت فورًا.

كانت بتعرض البيت للبيع.

من ورايا.

ومن غير حتى ما تملك حق التصرف فيه.

ابتسمت لأول مرة.

بس كانت ابتسامة مختلفة.

ابتسامة خلت نجلاء نفسها تقلق.

لأنها أول مرة تشوفني هادية بالشكل ده.

وأول مرة تشوفني مش مكسورة.

وأول مرة تحس إن في حاجة كبيرة مستخبية.

حاجة هي ولا أحمد ما يعرفوهاش.

وفي نفس الليلة، وأنا قاعدة في أوىضتي، وصلني اتصال من الأستاذ شريف.

قال جملة واحدة قلبت كل الأحداث:

— الحاجة أمينة… فيه شخص جه يسأل على البيت النهاردة، ولما راجعت بياناته اكتشفت إنه مستثمر عقارات معروف جدًا… وعارض مبلغ ضخم لو حبيتي تبيعي.

سألته بدهشة:

— مبلغ قد إيه؟

رد بهدوء:

— رقم هيصدمك.

سكت ثواني.

وبعدين قال:

— لكن فيه حاجة أخطر… الراجل ده قال إن في حد من أهل البيت وعده إن إجراءات البيع هتتم خلال أيام.

قفلت التليفون وأنا حاسة إن العاصفة الحقيقية لسه ما بدأتش.

لأن اللي جاي مش مجرد خلاف عائلي.

اللي جاي هيكشف أسرار محدش في البيت مستعد يسمعها.

وأولهم أحمد نفسه…

يتبع في الفصل الرابع

الفصل الرابع

تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى