
“يا حبيبتي… إيه كل الخرابيش والزرقان اللي في وشك ده؟”ده كان سؤال أبويا أول ما رجله خطت عتبة الشىقة في حفلة عيد ميلادي. فجأة، السكوت هبط على الصالة زي الصاعقة، لدرجة إن السك..ينة في إيد جوزي وقفت في نص التورتة.
حطيت إيدي على خدي وكأنني كنت ناسية البصمات الموف اللي كانت دبلانة على وشي. وقبل ما ألحق أنطق، رامي ساند بضهره على السفرة وابتسم ببرود وهو بيقول: “آه، أنا اللي عملت كده يا عمي.. قولت أصلحه بقمين قلم بدل ما أقوله كل سنة وأنت طيب!”
-
أرملة حاملمنذ ساعة واحدة
-
مفيش مربيه اشتغلتمنذ 4 ساعات
-
تليفونى رن الصبح بدريمنذ 4 ساعات
أصحابه أول ما سمعوا كده ماتوا على رواحهم من الضحك. وأمه، الحجة ميرفت، شهقت شهقة خيفة ومصطنعة، مش صدمة لأ، ده تمثيل، وقالت بدلع وعتاب: “جرى إيه يا رامي؟ بلاش الهزار البايخ ده، الناس تفهمنا غلط برضه!”
بس أبويا مبيفهمش غلط..
أبويا، “المستشار فاروق الحديدي”، هو اللي رباني لوحدي بعد ما أمي توفت. مكنش راجل بتاع عياط وزعيق، ولا من نوع الآباء اللي يكسروا الباب أو يهىددوا العيال في الشارع. الراجل ده قَضّى ثلاثين سنة من عمره في النيابة والمحاكم، بيحول المجىرمين والبلطجية لأرقام قضايا ويرميهم ورا الشمس. لما كان بيغضب، صوته كان بيوطى مش بيعلى.
بصلي بَصة واحدة.. مبصش للزرقان اللي في وشي، بص في عيني علطول.
فأنا هزيت راسي حتة هزة صغيرة قوي.
رامي وميرفت مخدوش بالهم، ولا أي حد من الهليبة اللي معاه، لأنهم علطول فاكريني الزوجة الغلبانة الهشّة اللي بتعتذر لما تضرب. بقالهم سنة كاملة بيربوني على إني أبتسم وأنا بتهان، وأسمي التحكم والـخَنقة “غيرة وحب”، وألبس بكم في عز شهر تمانية. الليلة دي، رامي مكنش عازم الناس دي عشان يحتفل بيا، ده كان عازمهم عشان يثبتلهم إنه يقدر يخليني أنزف في صمت وقدام الكل.
أبويا قلع ساعته ببطء وحطها على جزامة الصالة..
وبعدين قال ببرود مرعب: “اطلعي برة يا منة.. دلوقتي.”
نفسي اتقطع ومبقتش عارفة أتنفس: “يا بابا…”
“على برة يا منة.”
رامي طلع ضحكة صفرا وقال: “إيه يا سيادة المستشار؟ إحنا في فيلم عربي قديم؟ دي مراتي، وهتقعد مطرح ما أقولها تقعد!”
أبويا دار رقبته براحة وقال: “أنت لسه معترف حالا بالاعتداء على بنتي قدام حداشر شاهد.”
ضحكة رامي اتهزت..
الحجة ميرفت دخلت في النص، والماس بيرش من على رقبتها وقالت: “يا سيادة المستشار، بيوت الناس أسرار، وإحنا بنحل مشىىاكلنا في بيتنا وفي وسطنا.”
أبويا رد: “مبقاش فيه وسط خلاص.”
الجزء الثاني: الفخ
خرجت للبلكونة على رجلين بترتعش. شمس غيط العنب في عز أغسطس خبطت في وشي، كانت حامية وصافية قوي. ورايا في الريسبشن، بالونات عيد ميلادي كانت عايمة فوق ترابيزة الصالون الرخام زي الأشباح الدبلانة.
ومن ورا الشيش، شفت أبويا بياخد خطوة واحدة ناحية رامي.
وفجأة، الوش الواثق بتاع ميرفت انهار تماماً.
نزلت على ركبها، وبقت بتسحب ناحية باب المطبخ عشان تهرب وتفلسع.. وهنا، أنا فهمت كل حاجة!
أبويا مكنش جاي لوحده..
اثنين ضباط مباحث بالملابس المدنية دخلوا الصالة من الطرقة، والهدوء على وشوشهم، ووراهم كانت واقفة دكتورة من وحدة مناهضة العنىف ضد المرأة في المجلس القومي؛ نفس الست اللي ساعدتني أعمل خطة الط، وارئ من ثلاث أيام تحت اسم “منة الشافعي”، اللي هو اسم أمي الله يرحمها قبل الجواز.
رامي فتح بوقه، ومطلعتش منه ولا كلمة.
أما ميرفت، فكانت بتسحب لأنها كانت بتحاول توصل لسبت الزبالة في المطبخ، عشان تداري الظرف المقطع اللي مبعوث من البنك. كانت فاكرة إن محدش شافها وهي بترميه هناك أول ما أبويا سأل على وشي..
بس أنا شفتها. أنا كنت شايفة كل حاجة بقالي ست شهور!
القلم الأولاني جالي لما رامي عرف إن أمي سيبالي ورث متشال في البنك في حساب مقفول ملوش حق يلمسه. والقلم الثاني جالي لما رفضت أعمله إعادة رهن للشقة اللي بابا اشترهالي قبل الفرح ورامي كان بيتنطط بيها قدام الناس ويقول شقتي. وعلى ما ضىربني الصبح يوم عيد ميلادي، كنت خلاص صورت كشوفات المستشفى، وعملت تسجيلات صوت، ومعايا صور من كل فيزا كارد ميرفت فتحتها بالرقم القومي بتاعي!
كنت مخبياهم كلهم في فولدر على الموبايل مسمياه “وصفات أكل”، وبعت نسخة منه على فلاشة لبابا. والليلة دي كانت القفلة؛ رامي بيموت في المنظرة، وكنت عارفة إنه هيتباهى باللي عمله لو حس إن كسر نفسي هيديله برستيج قدام شِلّته.
افتكروا إن سكوتي خوف.. بس هو كان تجميع أدلة!
من البلكونة، شفت الظابط وهو بيلقط الظرف من سبت الزبالة بملقاط وجوانتي. جواه كان فيه التوقيع المزور بتاعي على قرض بمليون جنيه. ميرفت طلعت صوت زي صفارة براد شاي بيغلي وبيموت.
أما رامي، فبما إن غريزته هي البجاحة، صرخ بغل: “ده جنان! منة دي مجنونة ومريضة نفسية، اسألوا أي حد! دي تقع لوحدها وتعيط وتنسى!”
ملامح أبويا متهزتش وهو بيقوله: “عشان كده المستشفى صورت إصاباتها أول بأول.. وعشان كده الدكتورة النفسية بتاعتها أثبتت حالة التعنيف والتحكم.. وعشان كده كاميرات المراقبة بتاعت عم صبحي الجار اللي قصادكم مطلعاك وأنت بتسحلها من شعرها يوم الجمعة اللي فاتت.”
رامي بص ناحية البلكونة..
وأنا منزلتش عيني من عليه. لأول مرة من يوم ما اتجوزنا، شفت الخوف في عينه.
ميرفت مسكت في رجل الكرسي وهي لسه في الأرض وقالت: “أنتِ عملتلنا فخ!”
الست بتاعة المجلس القومي ردت: “لأ، أنتوا اللي أذيتوها، وهي نجت بذكاء.”
رامي ضحك تاني ضحكة عالية ومخنوقة: “أنتوا فاكرين هتحبسوني عشان شوية مشاكل عائلية؟”
أبويا مسك ساعته من على الجزامة، وداس على زرار صغير على الجنب، فنورت أحمر.
عيني رامي ثبتت مكانها.
أبويا قاله: “اعترافك وأنت بتقطع التورتة اتسجل. والحتة اللي قولت فيها إنك بتملك المكان اللي واقفة فيه بنتي اتسجلت. ودخول أمك عشان تخفي أدلة التزوير برضه اتسجل.”
ميرفت همست: “مش من حقك تعمل كده!”
أبويا رد: “لأ من حقي، ومن حق منة.. دي شقتها، وده مطبخها، وده عيد ميلادها. أما أنتوا فكنتوا مجرد ضيوف نسوا نفسهم، والنهارده هيترموا برة.”
الجزء الثالث والأخير: الحساب








